دير القدّيس بطرس – مرمريتا

لمحة تاريخيّة

ظهرت بوادر حركة الاتّحاد الجديدة في نيسان عام 1929، في إحدى مناطق سوريا، المعروفة اليوم باسم وادي النصارى. يتبع هذا الوادي إدلريًّا قضاء تل كلخ السوريّ، ويشمل ما يقارب الخمسين قرية، كان يسكنها عدد من الأهلين يناهز عشرين أو ثلاثين ألفًا، معظمهم من الروم الأرثوذكس. فقد طلبت قرى بأكملها الانضمام إلى الكثلكة، وأجرت المعاملات الرسميّة لنقل أسماء أبنائها إلى سجلّ المذهب الكاثوليكيّ. لذلك، وجد المطران الكاثوليكيّ، في ذلك الحين، يوسف كلاّس، مطران طرابلس اللبنانيّة، نفسه أمام وضع يفوق طاقته من حيث الماديّات، وتأمين الكهنة القديرين، فاستنجد بالبولسيّين، الذين بعثوا إليه الأب إلياس أندراوس الغيور. وما إن أشرف عام 1929 على نهايته، حتى كانت قرى بأكملها قد انتقلت إلى الكثلكة نهائيًّا كقرى كَفْرا، ودغلة، وحارة السرايا، فضلاً عن ستّين أسرة في مرمريتا، وسبعين في الزويتينة، وأربع عشرة في عمار … وشملت الحركة تسع عشرة قرية، نالت الكنيسة الكاثوليكيّة في أربع عشرة منها مركزًا متميّزًا.

كانت مهمّة المرسل الرئيسيّة مراقبة المدارس، والتثقيف الدينيّ الأساسيّ، ومنح الأسرار، والدفاع عن حقوق الرعيّة الجديدة أمام المحاكم. ولم يكن الأمر سهلاً عليه. ففي البدء، قاطعت معظم النساء الرياضات؛ لكنّه، استطاع مع الوقت أن يكسب جميع النفوس، حتى إنّ المؤمنين أصرّوا على عدم التخلّي عنه. في هذه الأثناء، كان المطران كلاّس المذكور يباشر بتأسيس دير في مرمريتا، لإقامة الآباء البولسيّين. فلفت الأب العام أنطون حبيب نظر الأب أندراوس إلى أنّ عمليّة البناء لا تربط الجمعيّة بأيّة التزامات. فجلّ ما تستطيع تقديمه هو أن يتناوب آباؤها على المجيء إلى الرسالة، والإقامة فيها مدّة شهرين، أو ثلاثة، لكلّ واحد منهم، يعود بعدها إلى الدير الرئيسيّ، في حريصا (لبنان)، لكي يجدّد نشاطه. ولكن، سرعان ما وجد الأب أندراوس نفسه غارقًا في الرسالة، يصعب عليه الانسحاب. لذلك، كتب إلى رئيسه يقترح عليه أن يؤسّس مركزًا ثابتًا في مرمريتا، على أن يعاونه أحد الآباء. لكنّ الأب العام أنطون حبيب – بعد التشاور مع الأب جرجي جنن – رأى أنّ ذلك غير ممكن، في الظروف الراهنة. فطلب من الأب أندراوس أن يهتمّ بالوعظ والإرشاد والاعترافات، وبكلّ ما يتعلّق بتثقيف المنضمّين الجدد، وأن يترك الأمور التي تنجم عنها مسؤوليّة ما، إلى راعي الأبرشيّة، حتى لا تربط الجمعيّة نفسها بأيّة التزامات، لا طاقة لها على تحمّلها. وما كان من التطوّرات إلا أن جعلت من الأب أندراوس مرسلاً شبه ثابت في هذه الرسالة، وتناوب على مساعدته الآباء يوسف معلوف، وبطرس الشامي، وبولس أشقر، الذين أصبحوا فيما بعد أساقفة
.على بعلبكّ، وحوران، واللاذقية، تباعًا

العمل الرسولي

عرف العمل الرسوليّ البولسيّ في منطقة وادي النصارى عمومًا، وفي بلدة مرمريتا خصوصًا، جميع مقوّمات الرسالة المسيحيّة، التي أخذت بها الجماعات المسيحيّة الأولى. وقد بذل المرسلون الأوّلون حياتهم، بكلّ ما يحمله اللفظ من معنى، للقيام بأعباء الرسالة هناك، على مدى عقود، وبصورة مطّردة، وبتضحيات جمّة. وها نحن نورد هنا الأنشطة الرسوليّة المتنوّعة، التي لا تزال قائمة اليوم أيضًا كامتداد تاريخيّ يشهد على انطلاقة الرسالة في مرمريتا.
أ‌- الخدمة الرعويّة: من قداديس، وزيارات المرضى ومناولتهم، واعترافات، ورياضات روحيّة، ووعظ، إلى سائر الرتب الطقسيّة المعروفة كالعمادات والزواج ورتب الجناز.
ب‌- التعليم المسيحيّ: من إلقاء مبادئ الديانة المسيحيّة على الفتيان والفتيات، بحسب أعمارهم وصفوفهم، إلى إنشاء جوقات للترتيل في مختلف المناطق، وأخويّات، وفرق كشفيّة، ونشرات، وتوزيع للكتاب المسيحيّ، وسهرات إنجيليّة.
ت‌- الخدمة الاجتماعيّة: من تلقين الفتيات التدبير المنزليّ، إلى إصلاح الخلافات الناشبة بين العائلات، والسعي إلى إيجاد عمل للشبّان، ومدّ يد العون للعائلات الفتيّة، أو المعوزة. وفي الفترة الأولى، قدّم المرسلون خدمة صحيّة للأهلين، فكانوا يمدّونهم بالإسعافات الأوّليّة، عند الضرورة. وكان هذا النوع من الرعاية، يضاف إليه الدافعان السابق واللاحق، نواة الفكرة التي تحقّقت، في ما بعد، بتأسيس جمعيّة راهبات مرسلات سيّدة المعونة الدائمة. وقد ارتفع، من جانب آخر، بناء على عقار الدير لجمع الشبيبة، وإحياء الحفلات الترفيهيّة، واستقبال الفرق في الصيف.
ث‌- الخدمة التربويّة: يعود الفضل أوّلاً وأخيرًا إلى المرسلين البولسيّين الأوائل في نشر التعليم على نطاق واسع في منطقة وادي النصارى، وإطلاق الحركة العلميّة بقوّة في مختلف قرى المنطقة، بحيث إنه ندر الأميّ في منطقة الوادي كلّها. فقد عمل البولسيّون بعناد شديد، حتى يحثّوا العائلات على تثقيف أولادهم، فأنشأوا مدرسة لهذا الغرض، ونظّموا الندوات، وأوفدوا صفوة المرسلين إلى الدير، في مرمريتا، لإلقاء المواعظ على أبناء البلدة، والجلوس إلى الأهلين، وإثارة الفضول في النفوس للإقدام على العلم.
ج‌- العمل المسكونيّ: يسهر الآباء البولسيّون على إبقاء شعلة العمل المسكونيّ متوقّدة في نفوسهم، من خلال عملهم الرسوليّ، بسبب طبيعة المنطقة الدينيّ. فيستقبلون الجميع من دون تمييز، ويقومون بواجباتهم في كلّ مناسبة تجاه السلطات الدينيّة الأرثذكسيّة خصوصًا، وسائر أبناء المنطقة.
ح‌- المسؤوليّات الأبرشيّة: يحتفظ الآباء، في ديرهم، بمسكن خاصّ بالأسقف، يأوي إليه كلّما عزم على زيارة المنطقة، أو الالتقاء بالمؤمنين. وقد رعوا شؤون الكهنة بأنفسهم، وحاجات الرعايا، وتمثيل الطائفة لدى السلطات المدنيّة، منذ انطلاقة الرسالة هناك.
خ‌- الإشعاع الرسوليّ: للدير حرمته ووقاره الخاصّان والمتميّزان، عند جمع أهل المنطقة، بأطيافها كلّها، المدنيّة والدينيّة والاجتماعيّة. يقصده الكلّ، لأسباب متنوّعة جدًّا، يضاف إليها سبب الالتقاء بالكهنة العاملين هناك، والاستفادة من الجلوس إليهم، والاستماع إلى أفكارهم.

أعلام الرسالة

عرفت الرسالة البولسيّة، في مرمريتا، مرور مرسلين عديدين فيها. منهم من أقام فيها سنوات، ومنهم من كانت إقامته قصيرة، على حسب الدواعي الرسوليّة في الجمعيّة. أمّا الذين خدموا الرسالة فترة طويلة، وتميّزوا بتركهم فيها آثارًا لا تزال تشهد لهم على تعلّقهم وغيرتهم عليها، فالتاريخ ينصفهم بذكر مآثرهم. وفي هذا الخصوص، نذكر:
أ‌- أ. إلياس أندراوس: أوّل البولسيّين الذين وطئت أقدامهم أرض الرسالة في مرمريتا، وأشدّهم فطنة وحذقًا وجرأة. غار غيرة على المسيحيّين المنتشرين في الوادي كلّه، وتفانى في خدمتهم، ورقّ لحالهم، حتى ليمكن اعتباره مؤسّس الرسالة في مرمريتا، وسائر قرى وادي النصارى. يُعَدّ عمله الرسوليّ بداية تحوّل رئيسيّ، بالنسبة إلى الجمعيّة الناشئة، عن مسارها الأوّل، كما رسمه لها المؤسّس، إذ إنّ الأب أندراوس هو أوّل البولسيّين الذين افتتحوا مراكز ثابتة للجمعيّة خارج الدير الرئيسيّ، في حريصا.
ب‌- أ. قسطنطين العبسي: خدم الوادي 14 عامًا نائبًا أسقفيًّا للمنطقة، ورئيسًا لدير القدّيس بطرس. وقد عمل هذا المرسل الغيور على تشييد الكنائس، وتزيينها ببلاط معمل حريصا. وتابع إنشاء المدارس ، وساند أبناء الرعايا في التصدّي لمشاكلهم المختلفة بكلّ جرأة وحزم.
ت‌- أ. جبرائيل فرح: خدم رسالة الوادي من عام 1937 حتّى وفاته عام 1985، باذلاً الجهود الكبيرة والتضحيات الكثيرة، فأسّس المدارس وشجّع الأهالي على إرسال أطفالهم إليها، ولم يغفل أهميّة التعليم المسيحيّ، فراح يجوب القرى مشيًا على الأقدام زارعًا كلمة الله في قلوب أبنائه، مرسيًا في ضمائرهم حقيقة الإنجيل. كما هبّ لنصرة المحرومين والمستعبدين، في مواجهة قوى الإقطاع المستبدّة والظالمة.
ث‌- أ. يوحنّا منصور: توجّه إلى مرمريتا، بعد أن شيّد بناء الدير والمدرسة، بقصد إدارة الدروس فيها، وأقام فيها 12 سنة. فأصاب نجاحًا باهرًا، لفصاحة خطابه، وسداد فكره، وبراعته في الإدارة. فكان الأهلون يتزاحمون في الكنيسة لسماع عظته، حتى يغصّ بهم فناء الدير. ولا يزال الكثيرون ممّن تبوّأوا مناصب عالية في المجتمع يقرّون له حتى اليوم بفضله عليهم.
ج‌- أ. فرنسوا بكر: عُرِف بوداعته وحِلمه في خدمته الكهنوتيّة، وبغيرته المتفانية، حتى أحبّه الكلّ، كبيرًا وصغيرًا. جاب الرعايا، وسهر أكثر من 10 سنوات على ألا يفوت أحدها رتبة طقسيّة، أو نشاط ترفيهيّ، أو اهتمام رعويّ. فكان حقًّا الأب والراعي، والخادم والمرسل. سعى كثيرًا لتأمين مركز رعاية اجتماعيّة للمعوّقين في المنطقة، وللشابات التي لا يستطعن ارتياد المدينة للعمل.
ح‌- أ. وليد إسكندافي: تسلّم رئاسة الدير وهو بعد مرسل يافع، فأبلى بلاء المختبر، وأفلح في وسط صعوبات جمّة. كسب ودّ الرعايا، وعرف أن يقيم أحسن العلاقات مع السلطة الدينيّة الأرثذكسيّة. برع في إدارة الأملاك، وأبان عن حنكة ومقدرة في شراء العقارات لصالح الجمعيّة. وتمكّن من بناء مدرسة حديثة، وفق المعايير الفنيّة العصريّة، بفضل ثقة أحد كبار المحسنين به، كي تحلّ محلّ المدرسة القديمة، التي باتت غير صالحة للاستعمال.

الكنيسة

يقع نظر الداخل إلى الكنيسة أوّلاً، على أيقونة كبيرة فوق المذبح الكبير، في حنية السقف الأماميّة. تمثّل الربّ الضابط الكلّ، الذي اتّخذ صورة عبد وبقي مساويًا لله في الجوهر.
يقابلها في حنية السقف الخلفيّة، أيقونة لهامتي الرسل بطرس وبولس، يحيطان بالكنيسة التي أسّساها مع الرسل. أحدهم اختاره الرّب يسوع نفسه، يوم كان مع الرسل، وقدّمه عليهم، والثاني اختاره روح الربّ، ليكون إناء مصطفى له، ورسولاً للأمم.
وتحتلّ أيقونات الأعياد الكبرى المساحة المتبقية من السقف، مكبّرة عن النسخة الأصليّة اليونانيّة، المعروفة بمجموعة “ستافرونيكيتا”، وهي أحد الأعمال الأخيرة ألتي أنجزها الراهب الفنّان “تيوفان ستريليزا”، المولود في هيراقليون، من أعمال جزيرة كريت، والذي انتقل إلى اليونان، فيما بعد، إلى جبل آثوس.
أمّا الإيقونسطاس فهو الحاجز الخشبيّ بين قدس الأقداس وسائر الكنيسة، ويحمل الأيقونات لتكريمها، بموجب نظام عريق تحترمه التقاليد. أيقونة السيد المسيح وأيقونة والدة الإله، المحيطتان بالباب الملوكيّ، هما أهمّ الأيقونات الموضوعة عليه. وتليهما إيقونة يوحنّا الصابغ، سابق المسيح، وأيقونة شفيع الكنيسة بطرس الرسول. ثمّ أيقونتا الملاكين جبرائيل وميخائيل، حارسي أبواب قدس الأقداس.

دير القدّيس بطرس

مرمريتا، قضاء تل كلخ
سوريا
هـ 7731102 31 963+؛ 7731205 31 963+
فاكس 7731038 31 963+